أحمد جمال العمري
4
دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى
وذكرت قصة إبراهيم عدة مرات ، وذكرت قصة موسى - عدة مرات ، وذكرت قصة عيسى عدة مرات ، وإنه يبدو بادي الرأي أن ذلك من مكرور القول . فما وجه البلاغة في هذا التكرار لقصص الأنبياء ؟ إننا إذا نظرنا نظرة فاحصة تليق بمقام القرآن ، ومكانته في البيان العربي ، نجد أن التكرار فيه له مغزى ، ذلك أن القرآن ليس كتاب قصص ، وليس كالروايات القصصية ، التي تذكر الحوادث المتخيّلة أو الواقعة . إنما قصص القرآن - وهو قصص لأمور واقعة - يساق للعبر ، وإعطاء المثلاث ، وبيان مكان الضالين . ومنزلة المهتدين ، وعاقبة الضلال ، وعاقبة الهداية ، وبيان ما يقاوم به النبيون ، ووراءهم كل الدعاة للحق . فهو قصص للعبرة بين الواقعات ، لا لمجرد المتعة من الاستماع والقراءة . ولذلك قال اللّه تعالى في آخر قصة نبي اللّه يوسف : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ الآية : 111 ] كما أن القصص القرآني لون من تصريف البيان القرآني ، وتغير أشكاله ، وفي ذلك يقول الحق سبحانه : وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الكهف : 54 ] إن القصص القرآني فيه العبرة ، وما ذكرت قصة إلّا كان معها عبرة أو عبر ، وفيها المثلاث لمن عصوا وتركوا أمر ربهم ، وفيها بيان ما نزل بالأقوياء ، الذين غرهم الغرور ، والجبابرة الذين طغوا في البلاد ، وأكثروا فيها الفساد ، واللّه من ورائهم محيط . وإن القصص فيه إيناس صاحب الرسالة المحمدية ، بأخبار إخوانه من المصطفين الأخيار ، وإثبات قوله ، فقد كانت تلك الأخبار الصادقة . ما كانت